لم يعد النقاش حول الدور الإماراتي في اليمن محصورًا في إطار الخلافات التكتيكية داخل تحالف عربي، بل اتخذ أبعادًا أعمق تتصل بإعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم، وبمستقبل الدولة الوطنية في شبه الجزيرة العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. فوفق قراءات سياسية متزايدة في المنطقة، فإن السياسات الإماراتية في اليمن لم تؤدِّ فقط إلى إضعاف الدولة اليمنية، بل ساهمت – بشكل مباشر أو غير مباشر – في إنهاك السعودية واستنزافها أمنيًا واستراتيجيًا، وهو ما يتقاطع، في نظر بعض المحللين، مع الرؤية الإسرائيلية طويلة المدى تجاه المنطقة.
منذ دخول السعودية حرب اليمن عام 2015، حملت المملكة العبء الأكبر سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا، انطلاقًا من اعتبار اليمن خط الدفاع الأول عن أمنها القومي. غير أن المسار الذي اتخذته الإمارات على الأرض، والمبني على دعم قوى محلية خارج إطار الدولة اليمنية، وبناء تشكيلات مسلحة مناطقية وقبلية، والسيطرة على الموانئ والجزر، أفرغ الهدف المعلن للتحالف من مضمونه، وحوّل الحرب إلى ساحة تفكيك بدل أن تكون مشروع استعادة دولة.
هذا النهج، بحسب منظور سعودي ناقد، لم يضعف اليمن فحسب، بل أضعف السعودية نفسها. فكل انقسام داخل اليمن يعني حدودًا أقل استقرارًا، وكل سلطة موازية تعني فراغًا أمنيًا تستنزف المملكة في معالجته، سواء عبر المواجهة العسكرية أو الاحتواء السياسي. ومع طول أمد الحرب، تحولت السعودية إلى الطرف الأكثر تحمّلًا للكلفة، في وقت كانت فيه الإمارات تعيد تموضعها وتنسحب عسكريًا بعد تثبيت نفوذها.
في هذا السياق، يبرز الربط الذي يطرحه بعض الباحثين بين هذا المسار وبين الرؤية الإسرائيلية للمنطقة، المعروفة في الأدبيات السياسية العربية باسم “مشروع إسرائيل الكبرى”. هذا المشروع، كما يُناقش في التحليل النقدي العربي، لا يُفهم بالضرورة بوصفه خطة عسكرية مباشرة، بل كمنظومة فكرية–استراتيجية تقوم على إضعاف الدول العربية المركزية، وتفكيك محيطها، ومنع تشكّل أي قوة إقليمية مستقرة قادرة على التأثير في موازين القوى.
ضمن هذه الرؤية، تمثل المملكة العربية السعودية هدفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، ليس لأنها في حالة صراع مباشر مع إسرائيل، بل لأنها تمتلك عناصر القوة الثلاثة التي تُقلق الفكر الصهيوني التقليدي: الثقل الديني، والقدرة الاقتصادية، والموقع الجغرافي المؤثر. السعودية، بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين، تمتلك رمزية دينية عابرة للحدود، تجعلها مركز ثقل في العالم الإسلامي لا يمكن تجاوزه.
وتكتسب هذه الرمزية بعدًا إضافيًا عند النظر إلى مكانة جزيرة العرب في النصوص الدينية اليهودية. فالتوراة تتضمن إشارات جغرافية وتاريخية إلى مناطق في جنوب الشام وشمال الحجاز، ويستند بعض التيارات الدينية الصهيونية المتشددة إلى قراءات توسعية تعتبر أن “أرض الميعاد” تمتد إلى نطاقات أوسع مما هو معترف به سياسيًا اليوم. ورغم أن هذه القراءات لا تمثل بالضرورة السياسة الرسمية لإسرائيل، إلا أنها حاضرة بقوة في الخطاب الأيديولوجي لبعض النخب الدينية–السياسية المؤثرة.
من هذا المنطلق، يرى محللون أن إضعاف السعودية، أو إدخالها في حالة استنزاف دائم عبر محيط غير مستقر، يخدم الهدف الإسرائيلي الأوسع: منع بروز قوة عربية مركزية مستقلة وقادرة على التأثير. وهنا، يصبح أي دور إقليمي يُسهم في تفكيك اليمن، أو في توظيف القبائل والولاءات العابرة للحدود، عاملًا مساعدًا – ولو من دون تنسيق مباشر – في تحقيق هذه الغاية.
العلاقة الإماراتية–الإسرائيلية، التي انتقلت إلى العلن في السنوات الأخيرة، تُقرأ ضمن هذا السياق بوصفها أكثر من مجرد تطبيع سياسي أو اقتصادي. فالتنسيق الأمني، والحضور الإماراتي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهي مناطق ذات أهمية استراتيجية لإسرائيل، يثير تساؤلات سعودية مشروعة حول ما إذا كانت هذه التحركات تُراعي الأمن القومي الخليجي، أم تتجاوزه لصالح مشاريع أوسع.
بالنسبة للسعودية، فإن الخطر لا يكمن في إسرائيل وحدها، بل في تلاقي المصالح بين قوى إقليمية مختلفة على إضعاف الدولة الوطنية المركزية في الجزيرة العربية. فحين تُستنزف المملكة في اليمن، وتُحاصر بأزمات على حدودها، وتُضعف البيئة الإقليمية المحيطة بها، تصبح أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.
إن قراءة الدور الإماراتي في اليمن لا تنفصل، لدى بعض التيارات التحليلية، عن السياق الإقليمي الأشمل، ولا عن الرؤية الإسرائيلية تجاه المنطقة. ورغم أن هذه القراءة لا تقوم على أدلة قاطعة بقدر ما تقوم على تحليل تقاطع المصالح والنتائج، فإنها تعبّر عن قلق سعودي متزايد من سياسات تُضعف حلفاء الأمس، وتخدم – بوعي أو من دونه – مشاريع تفكيك لا تستهدف اليمن وحده، بل تمسّ جوهر الاستقرار في شبه الجزيرة العربية بأكملها
